القاضي سعيد القمي
389
شرح توحيد الصدوق
الأخير بعد وجود هذا الأول ، وكلّ ما له أوّل وآخر فهو محاط بالأول والآخر ، والّذي له الأوليّة والآخريّة بذاته هو المبدأ الأوّل ، فهو « محيط » بكلّ شيء بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرّة ، و « صمد » لا يخرج من حيطته شيء والّا لكان له جوف وقوّة . ألا ترى إلى المكان حيث يحيط بالأمور المكانية المتبدّلة عليه ظاهرا وباطنا ، وإلى الزّمان حيث يحتوي على الزّمانيّات الموجودة الكائنة لديه أوّلا وآخرا ، فليس نسبتهما إلى ما فيها الا كخيط بالقياس إلى أجزائه الملوّنة ، ثم قس الأمور العالية عن هذين الوعائين إليهما وإلى ما يليهما ، فليس هما وما فيهما بالنظر إليهما إلّا كنقطة أو آن ، فكيف إلى ما لا نسبة له بشيء من هذه النسب بل الكلّ هالك « 1 » لديه خاضع فيما بين يديه ، وهو الأوّل والآخر والباطن والظّاهر وهو بكل شيء محيط . ثمّ « 2 » ، ألا تنظر إلى الأرض حيث لا خروج لها عن إحاطة السماء بها ، وإلى السّماء حيث لا خروج لها عن إحاطة الكرسي بها لأنّه وسع كرسيّه السّماوات والأرض « 3 » ، وإلى الكرسي حيث لا خروج له عن إحاطة العرش به ، إذ الكرسي وما فيه بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة « 4 » قيّ « 5 » ، ثم إلى العرش وما فيه ، بالنظر إلى سرادقات جلاله وحجب كبريائه . فسبحان اللّه العظيم الّذي لا يؤده حفظ شيء ولا يخرج عن إحاطته شيء ! وأيضا ، المكوّنات والكائنات الفاسدات باقية ببقاء استعداد المادّة ، فإن كان الاستعداد ذاتيّا فالشيء يدوم وذلك هو المكوّن وإن كان مكتسبا قد حصل من
--> ( 1 ) . هالك وخاضع : هالكة وخاضعة م . ( 2 ) . مستفاد من آية 54 من سورة فصّلت . ( 3 ) . مستفاد من آية 255 من سورة البقرة . ( 4 ) . مستفاد من أحاديث كثيرة في هذا الباب منها ما في البحار ، ج 55 ، ص 2 و 10 و 17 الدر المنثور ، ج 1 ، ص 328 . ( 5 ) . قيّ : قفر الأرض والخلأ ، من قوي يقوى قيّا .